أبي منصور الماتريدي
397
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ يعني البشر ، جعل « 1 » منافع السماء متصلة بمنافع الأرض ؛ [ مع ] « 2 » بعد ما بينهما ؛ دل أنه عن تدبير ، فعل هذا وعلم ، وأنه تدبير واحد ؛ عليم ؛ قدير . ثم ما ذكر : من تسخير السماوات والأرض ؛ مع شدة السماء وصلابتها ، وغلظ الأرض وكثافتها ، وتسخير البحر ؛ مع أهواله وأمواجه ، وتسخير الأنهار الجارية ، وتسخير الشمس ، والقمر ، والليل ، والنهار لهذا البشر . في ذلك كله وجهان : أحدهما : يذكرهم نعمه التي أنعمها عليهم ؛ من المنافع التي جعل لهم ؛ في تسخير هذه الأشياء التي ذكر لهم ؛ على جهل هذه الأشياء أنهن مسخرات لغيرهن ؛ يستأدي بذلك شكرها . والثاني : يذكر سلطانه وقدرته ؛ حيث سخر هذه الأشياء ؛ مع شدتها ، وصلابتها ، وغلظها ، وأهوالها . ومن قدر على تسخير ما ذكر - قادر على البعث والإحياء بعد الموت . ويحتمل ما ذكر ؛ من تسخير الأشياء التي ذكر : أنه أنشأ هذه الأشياء مسخرة مذللة لنا ، والثاني : سخر لنا ؛ أي : علّمنا من الأسباب والحيل التي يتهيّأ لنا الانتفاع بها والتسخير . وقوله - عزّ وجل - : وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ . فيه لغتان وتأويلان قال بعضهم : وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ؛ على التنوين ؛ ما سَأَلْتُمُوهُ على الجحد ؛ أي : آتاكم من غير أن سألتم الأشياء التي ذكر أنه سخرها لنا ؛ أي : آتاكم من غير سؤال ولا طلبة . والثاني : وآتاكم من كل ما سألتموه وما لم تسألوه ؛ لأنه أعطانا أشياء قبل أن نعلم أنه يجب أن نسأله ؛ حيث خلق هذه الأشياء التي ذكر من قبل أن يخلقنا . وقال الحسن « 3 » : مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ ؛ قال : ما لم تسألوه ؛ وهو ما ذكرناه ؛ فإن قيل : إنا نسأل أشياء لم نعطها ؛ فما معنى الآية ؟ قيل بوجوه « 4 » : أحدها : ذكر حرف التبعيض ؛ وهو ما قال : مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ . والثاني : وآتاكم علم منافع ما سألتموه قبل أن تسألوا ؛ وجهه علم الانتفاع به . والثالث : وآتاكم من كل ما يحق السؤال ويليق به .
--> ( 1 ) في ب : أنه جعل . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) أخرجه ابن جرير ( 20829 ) ، وانظر : الدر المنثور ( 4 / 158 ) . ( 4 ) في ب : لوجوه .